2018-09-11

جنون الجنرال المتقاعد يصل الجزائر

قَبليٌ مُسترجعٌ من متحف الذاكرة المليئة بالهزائم والانكسارات، الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر”، يستعرض في لقاء اجتمع فيه بعدد من الشخصيات القبلية في سعي واضح لتمرير ما دأب على ترديده حول موقفه من الانتخابات، وهو أنه لن يقبل إلا بانتخابات (نزيهة)!، وأنه سيقوضها بعملية قبلية أو حتى بعدية.

كلمة (نزيهة) مطاطة، وليس مستبعداً أن يكون المقصود بالنزاهة هو أن تأتي النتائج كما يريدها هو ومن معه، ومن يدعمه، وأن خلاف ذلك مرفوض، وسيكون مبررا لتقويضها، إن هذا الحديث المتعالي، وهذه الفوقية التي يتحدث بها خليفة حفتر عن المسار الديمقراطي، توضح وبشكل جلي أن الرجل على استعداد أن يحرق، ويدمر، ويخرب، ويُرشي، ويهدد، مجلس النواب بأن يسيروا وفق خطته وتوجهه، وبأن يتراجعوا عن إنجاز مشروع الدستور المرتقب، حيث ذكر أنه برغم التطمينات التي سمعها من “عقيلة صالح”، حول عدم تمرير مسودة الدستور، إلا أن هذه المسودة مرفوضة من قبله، وبالتالي تقديمها للاستفتاء غير مقبول، وهي كارثة كما وصفها، وأمر بتأجيل النظر فيها، متهما  أعضاء هذه اللجنة التي انتخبها الشعب بـ”العملاء”.

لغة العسكر هذه ماهي إلا استنساخ لعقود الظلام، التي مرّت بها ليبيا، ما إن نتحرر من عسكري، حتى نجد أنفسنا نواجه حقبة جديدة لعسكري آخر، يريد أن يجر البلاد إلى نفق مظلم مرة أخرى، والأحداث الدموية خلال الأسبوع الماضي لم يفوتها “حفتر” دون استثمارٍ لمصلحته الشخصية، لخلط الأوراق والابتعاد عن النهج الديمقراطي، وفرض لغة القوة والبندقية، والقفز على الدولة المدنية، وإقامة كيان عسكري دموي آخر لا تحمد عقباه، لقد قلب ظهر المجن لاتفاق باريس وأنكره، ونعته باجتماع الفئران على حد تعبيره، ثم تحريضه لقبائل الغرب الليبي بالزحف إلى طرابلس، وهذا يذكرنا بسلفه السابق في لغة الزحف والتدمير والتحريض والوعود الزائفة، المراد منها سفك المزيد من الدماء لتحقيق حلم العسكر،

وأنه سيحول كل الشعب إلى جيش، ليقاتل بعضه بعضًا من أجل سيادة الجنرال للجلوس على كرسي الحكم.

ولكننا نثق في أن قبائل المنطقة الغربية لن تنصت لمثل هذه الدعوات المثيرة للفتنة والمحرضة على سفك الدماء.

وما بين الجزائر وليبيا ليس أنهما دولتان متجاورتان، أو أختان في العرق، والعقيدة الدينية، أو التجانس المجتمعي، بل ما بينهما أكثر من ذلك بكثير، إننا نكاد نكون دولة واحدة بأطياف متنوعة، تغني المنطقة بألوانها وتعددها الرائع، عند احتلال فرنسا الجزائر، اعتبر الشعب الليبي أن العدوان يقع على ليبيا، ومن ثم وجب مقاومة المستعمر بشتى الوسائل، وعندما شرع أبناء الجزائر في تنظيم صفوفهم، كان وجود الليبيين معهم بديهيًا، لأن المعركة والمصير واحد، فتنادى الليبيون من كل أركان الدولة، ومن كل الفئات، دفع خلالها الشعب الليبي بكل ما هو غالٍ ونفيس، من رجال وأموال وسلاح، وحتى النساء الليبيات خلعن حليهن وجاهدن بها ضد المستعمر لنصرة القضية الجزائرية، والجزائر تعرف جيدًا معنى الظلم والدخول عنوة إلى أرض الغير، وأعمال التخريب والتفويض، لذا اتهام الجزائر من قبل “خليفة حفتر” بدخولها الأراضي الليبية، والتدخل في الشأن الليبي يُعد مخالفة صريحة لتاريخ هذا البلد الجار والعزيز..

 والجزائر كان لها مواقفٌ واضحةٌ وثابتةُ، حتى في أوج المعركة ضد النظام السابق، حيث كانت الجزائر في مكان يحتم عليها إعمال العقل، بعيدًا عن التهور والرعونة، وكانت تعرف جيدا مدى عنجهية رأس النظام وغطرسته، ومع ذلك ظلت الجزائر على ثباتها، في التعامل بعقلانية، وترقب، والرفض للأجنبي أن يدخل إلى ليبيا، ، واتهام من هذا القبيل غير مقبول بالنظر لمسار الجزائر الوطني، التي لم تتدخل في شؤون الدول الأخرى، ولم يسجل لها التاريخ أي انتهاك في ليبيا، بل على العكس تمامًا حاولت هذه الدولة وفي عدة مناسبات لمَّ شمل الليبيين، ورأب الصدع بين الإخوة، بخلاف حكام بعض الدول الأخرى التي قصفت طائراتها مدن شرق ليبيا، ونعني هنا ((مصر والإمارات) بدفعٍ من باريس، لتمكين “خليفة حفتر” من سُدة الحكم في ليبيا، إن المال السعودي الإماراتي، والجهد المصري، والدفع السياسي الفرنسي، لم يتكلم عليه الجنرال، بل ذهب إلى العنوان الخطأ في محاولة ركيكة ومضحكة في تخبطه المحبط والسعي للنيل من الشرفاء على حساب الحق والتاريخ!.

 لهذا نقول قول للجنرال: عليك قراءة التاريخ جيدا، واتهام النبلاء لن يوصلك إلى تحقيق حلمك، والأجدر بك أن تتحدث عن ورطتك مع حكام مصر والإمارات وآل سعود، وتقديم التماس للشعب الليبي عن خيانتك له، بوضع يدك مع الأجنبي لقتل الأطفال والنساء والشباب والشيوخ الليبيين، وبعدها سنلتفت إلى مشكلتك العقلية والجسدية.